0
 18‏/2‏/2017 4:32 ص






يثور كثير من الجدل هذه الأيام حول بيع أرامكو السعودية، هل من المجدي بيعها أم هو خطر محدق و تفريط في ثروة وطنية؟
تحدث في هذا الكثيرون من الإقتصاديين وغيرهم لكن تبقى المعلومات في هذا الشأن شحيحة جداً إذ لم نتعرف سوى على الخطوط العريضة لهذا المشروع الكبير. 

و نظراً لأهمية الموضوع و تشعب تأثيراته المستقبلية آثرت كمواطن أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع. و لأني لست متخصصاً في الاقتصاد فإن هذه التدوينة ستشمل تحليل الأفكار العامة دون الدخول للتفاصيل الاقتصادية التخصصية. 

يعتزم المشروع إدراج أرامكو في أسواق التداول محليا و عالمياً و نقل ملكيتها لصندوق الاستثمارات العامة - الصندوق السيادي السعودي- لتكون مجمل أصولها تقدر بأكثر من ٢.٥ تريليون دولار ثم بيع حوالي ٥٪‏ منها بمائة مليار دولار أو أكثر من ذلك بقليل.

عندما أعلن عن المشروع لأول وهلة حصلت صدمة في الشارع السعودي ، وثار الكثير من الجدل حول ما إذا كان التخصيص سيشمل عمليات المصب - downstream- أو عمليات المنبع - upstream- لكن الإعلان فيما بعض وضح أن التخصيص سيشمل أرامكو السعودية بقضها وقضيضها. 

قد يشكل هذا صدمة للكثيرين مثلي لكن لابد من الاعتراف أن شركات النفط الوطنية المملوكة بشكل كامل للدولة هي الاستثناء في عالم الطاقة و ليست القاعدة. لكن في الوقت ذاته التخلي عن حصص في شركات البترول الوطنية بعد الاستحواذ عليها هو شيء لم يسمع به من قبل - فيما أعلم و ما أعلم قليل-.

حسناً دعونا ندخل مباشرة إلى صلب أحد أهم المواضيع المثيرة للجدل في مسألة بيع أرامكو السعودية و هو السؤال الجوهري: هل سيشمل البيع مخزون النفط تحت الأرض؟
غرد أحد الاقتصاديين السعوديين على تويتر عشية الإعلان عن البيع معترضاً على احتمال بيع المخزون تحت الأرض لأنه للأجيال القادمة. تلقى هذا الاقتصادي اتصالاً من جهات عليا حسب ما ذكر دعته لحذف التغريدات و القول بأنه بعد الحديث مع هذه الجهات فإنه " لا شيء يدعوا للقلق". حسناً،  طريقة التعامل هذه في حد ذاتها تدعوا للقلق و القلق الشديد. 

و يبقى السؤال الجوهري قائما هل بيع أرامكو السعودية يشمل المخزون تحت الأرض؟ صرح بعض المسؤولين - صادقا- بأن بيع أرامكو لا يشمل المخزون تحت الأرض بينما أدعي أنا الفقير إلى الله - و أنا صادق- بأن الصفقة ستشمل حتما المخزون تحت الأرض. كيف ذلك ؟ كيف يكون كلانا صادقاً في الوقت ذاته و نحن نقول كلاماً متعارضاً بالضرورة. حسناً، دعوني أدعوكم إلى التريث هنا قليلاً لأذكركم أننا معشر المواطنين لا نتكلم نفس اللغة التي يتكلمها معشر  المسؤولون. هل تذكرون تأكيدات وزير المالية السابق المتكررة أنه لا مساس براتب المواطن؟ ثم تفاجأ الكثير منا بإلغاء البدلات مما أدى لانخفاض حرج في الدخل. كان معاليه صادقا حيث أنهم لم يقربوا الراتب " الأساسي" و إنما خصموا البدلات. عندما تعرف أن أغلب راتب الطبيب و الأكاديمي و الضابط في أي قطاع عسكري مكون من راتب أساسي بسيط و مجموعة بدلات كبيرة قد تصل في مجموعها إلى أكثر من الراتب الأساسي تعرف حينها خطورة عدم التنبه لهذا التباين في اللغات المستخدمة بين المواطن و المسؤول في المملكة. الأمثلة على هذا التباين في اللغات كثيرة لكن ليس هذا موضوعنا. 

موضوعنا هو كيف نكون كلانا على حق في موضوع بيع المخزون من النفط تحت الأرض و كلامنا في ظاهره متناقض. الحقيقة أن القول ببيع ٥٪‏ من المخزون يعني في نظر المسؤولين هو تحديد حقل يحوي هذه الكمية من النفط و تسليمه للمشترى ليفعل به ما يشاء بغض النظر عن سياسات الدولة النفطية. فقد ينتجه كله في عدة سنوات أو عدة عقود أو يزيد الانتاج عندما تريد الدولة خفضه و هكذا. هذا ما يعنيه المسؤول عندما يقول بأن بيع أرامكو السعودية لا يشمل بيع المخزون تحت الأرض و أنا واثق من أن هذا صحيح. لكن ليس هذا ما يسأل عنه الناس. ما يسألون عنه هو هل سنفقد ٥٪‏ من أرباح النفط عند البيع مستقبلاً ؟ و هذا حتما صحيح. لنكن واضحين، لا تحتاج إلى دكتوراه في الاقتصاد لتعرف أنه عندما يكون عندك شركة نفط وحيدة عندها امتياز تنقيب و انتاج بعيد الأجل و يشمل كل مناطق المملكة فإن بيع ٥٪‏ منها يعني التنازل عن ٥٪‏ من أرباحها على مدى طويل - و هذا ما يريد معرفته المواطن-. و لأزيدك من الشعر بيتاً فإن أرباح أرامكو السعودية لا تشمل فقط مبيعات النفط بل أرباح تكريره في مصافي داخلية و خارجية و مصانع البتروكيماويات التي تمتلكها أرامكو- جدير بالذكر أن أرامكو تمتلك أكبر مصافي التكرير في الولايات المتحدة ( بورت أرثر) و في كوريا الجنوبية ناهيك عن استثماراتها في مصانع البتروكيماويات و الاستثمارات الأخيرة في مجالات الطاقة المتجددة. و لنكون أكثر وضوحاً،  فإن المشتري - أو مجموعة المشترين- لن يدفعوا ١٠٠ مليار دولار دون أن يروا عقد امتياز طويل الأجل مع الحكومة السعودية. 

هناك مسألة أخرى قلما تم التطرق لها في موضوع بيع أرامكو، و هي المسألة القانونية. تعرضت أرامكو السعودية - و شركات أخرى- في السابق لعدة قضايا احتكار أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية إذ تعتبر قرارات أوبك بزيادة أو خفض الانتاج من أعمال الاحتكار التي تتعارض مع مبادئ السوق الحر، و كان العامل الحاسم في خروج أرامكو السعودية من هذه القضايا هي أنها شركة حكومية و تتمتع بالحصانة السيادية للدولة. فهل حين ندرج أرامكو السعودية في بورصة نيويورك أو لندن كشركة مساهمة ستظل تتمتع بهذه الحصانة السيادية للدولة؟ لست أدري و أتمنى أن يخبرنا المسؤولون فندري. 

تحدثت في الجزء السابق من هذه التدوينة عن أهم محاذير بيع أرامكو السعودية. فاسمحوا لي في القسم التالي أن أناقش المنافع المحتملة لهذا البيع. 

عندما سؤل سمو الأمير محمد بن سلمان عن بيع أرامكو السعودية في مقابلته مع تركي الدخيل على العربية أجاب بأننا يجب أن نتخلص من الإدمان على أرامكو. لاشك أن هذا هدف هام و جوهري واستراتيجي للمملكة لكن في نفس الوقت و من الزاوية التي أنظر منها للمسألة فأني لا أستطيع رؤية رابط حتمي بين الإدمان على أرامكو السعودية و بين نسبة التملك الحكومي لها. على سبيل المثال نحن لسنا مدمنين على معادن لأنها لم تستغل الثروة المعدنية للمملكة كما يجب و ليس لأنها ليست مملوكة بالكامل للدولة و في نفس السياق، نستطيع تنويع الدخل مع الإبقاء على كامل حصتنا في أرامكو السعودية. 

من أهم الفوائد المذكورة لمشروع إدراج أرامكو و تحويلها للصندوق السيادي هي أن يتحول الدخل من بترولي إلى استثماري و أن ترتفع قيمة الصندوق السيادي لأكثر من ٢،٥ تريليون دولار ليكون أكبر صندوق سيادي في العالم. ربما لأني لست إقتصادياً فإني أجد أن هذه الخطوة رمزية ولا تؤثر في مجمل الدخل. فبدل أن كان مسمى الدخل بترولي أصبح استثماري و يستحوذ "الاستثمار البترولي" على نصيب الأسد من هذا الدخل الاستثماري. و أما ال٢،٥ ترليون فهي أصول - أو بالأصح أصل وحيد- غير سائلة و لم تضف إلى ما نمتلكه فعلاً قبل الإدراج مليماً واحداً إلا عند البيع. 

لا شك أن العامل المادي هو العامل الحاسم في عملية الطرح. إذ من المتوقع أن ينتج عن بيع ٥٪‏ من أرامكو مبالغ تقدر ب١٠٠ مليار دولار أو تزيد. لكن السؤال: لماذا نبيع نسبة من أرامكو السعودية شديدة الربحية - يكلف انتاج برميل النفط فيها أقل من ١٠ دولار- و بمخاطر منخفضة لنسثمرها في استثمارات غير مضمونة الربح و عالية الخطورة؟ ألا يوجد قنوات أخرى للتمويل؟ كالاقتراض و اصدار سندات و غيرها؟ إذا علمنا أن صندوق الاستثمارات العامة قد دخل فعلا في شراكة تمويل مع صندوق سوفت بانك الياباني بمبلغ ٤٥ مليار دولار ناهيك عن الاستثمارات الأخرى في شركات و قطاعات متباينة فهذا يدل على أن الحاجة الى ١٠٠ مليار إضافية ليست حرجة أو ملحة للصندوق. لماذا لا نستقطع من أرباح أرامكوا المستقبلية و على مدى سنوات لتمويل الصندوق السيادي لنبدأ صغاراً و نكبر بالتدريج و تبقى أرامكو السعودية و أرباحها المضمونة بإذن الله في جيبنا لا سيما أن هذه السنوات ليست سنوات اقتناص فرص استثمارية كما كان عليه الحال في ٢٠٠٨. 

أما النقطة التي أود أن أختم بها، ففي نظري أن أهم خطر من مخاطر بيع أرامكو السعودية هو أنه يمثل سابقة خطيرة. فالحكومة الحالية لديها استعداد لبيع ٥٪‏ الآن، ولا نعرف إذا كان لديهم خطط لبيع المزيد مستقبلاً؟ كما لا نضمن أن تأتي حكومة لاحقة في المستقبل فتستغل هذه السابقة لبيع المزيد دون حاجة ملحة لذلك.  

في النهاية ما أريد قوله أنني لست ضد المشروع من حيث المبدأ، إلا أني و بناء على المعلومات المتوفرة للآن لست على قناعة أننا في حاجة ملحة لبيع نسب من أرامكو السعودية، أو ان منافع البيع المحتملة أكثر من خسائره المتوقعة. لهذا فأنا أطالب جميع المسؤولين في مجلس الوزراء و مجلس الاقتصاد و التنمية أن يخرجوا علينا بمزيد من المعلومات و الشفافية في هذا الموضوع لعلنا نقتنع أكثر. 

هذا والله تعالى أعلم.
*  عضو هيئة التدريس بكلية الطب - جامعة الطائف

إرسال تعليق

جميع الردود تعبر عن رأي كاتبيها فقط ، وحرية النقد متاحة لجميع الأعضاء والقراء والقارئات الكرام بشرط ان لايكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من العبارات البذيئة وتذكر قول الله تعالى " مايلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد" صدق الله العظيم


 
الى الاعلى