0
  رمضان والشعوب :  يعدها اليوم / اسلام مسعد     

 
تعتبر دولة البرازيل من الدول النائية والبعيدة عن المجتمعاتِ الإسلامية الرئيسة، سواءٌ تلك التي تحيا في بلادٍ إسلامية، أو تلك التي تعيش في دولٍ غير إسلامية، ولكنها نجحت في تثبيت أنفسها داخل المجتمع الذي تعيش فيه، وأوجدت لنفسها كيانًا كبيرًا يرتبط بالشعوب الإسلامية الأخرى، وبالتالي يحرص المسلمون في البرازيل على استقبالِ شهر رمضان؛ باعتبارهِ وسيلةً لتأكيد الهوية الإسلامية، وتذكيرًا بالمجتمعات التي جاءوا منها بالنظر إلى أنَّ أغلب المسلمين البرازيليين من أصولٍ عربية وبخاصة شامية.

اقبال كبير على الموائد الرمضانية بالبرازيل
وتقع دولة البرازيل في قارةِ أمريكا الجنوبية، وتبلغ مساحتها 8 ملايين و548 ألف كيلو متر مربع تقريبًا، ويعيش فيها 170 مليون نسمة، لكنَّ نسبة المسلمين من بينهم لا تكاد تُذكر؛ حيث يعتنق أغلب البرازيليين المسيحية الكاثوليكية، وتعتبر مدن "برازيليا" و"ريو دي جانيرو" و"بارا" أهم المدن البرازيلية.

ودخل الإسلام في البرازيل مع المهاجرين العرب والمسلمين الذين هاجروا من البلاد العربية وبخاصة بلاد الشام إلى أمريكا اللاتينية والشمالية في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، لكنَّ الإسلام كان موجودًا قبل ذلك في هذه البلاد، وإن كانت هذه الفترة التاريخية بين القرنين الـ19 والـ20 هي التي تعتبر بداية إقامة المجتمع الإسلامي في البرازيل.
وشهر رمضان في البرازيل يُعتبر من المناسبات عظيمة القيمة لدى المسلمين؛ حيث ينتظرونه من أجل تجديد انتمائهم الديني، شأنهم في ذلك شأن جميع المسلمين الذين يعيشون في بلاد المهاجر غير الإسلامية، ويعلنون قدوم الشهر وفق تقويم مكة المكرمة، إلا أن البعض قد يختار بلدًا آخر فيصوم على أساس إعلانها، وتعلن جميع المحطات الإعلامية البرازيلية المقروءة والمسموعة والمشاهَدة خبر حلول شهر رمضان الكريم مهنِّئين المسلمين، وتختلف عاداتُ المسلمين في الشهر الكريم عنها في باقي أيام السنة، فالسيدات المسلمات يرتدين الحجاب حتى ولو كنَّ لا يرتدينه خارج الشهر الفضيل، ومنهن من تستمر في ارتدائه بعد انتهاء الشهر؛ وذلك تأثرًا بالدفعة الروحانية التي حصلت عليها فيه.
ومن عادات المسلمين قبل الإفطار أن يكثر الازدحام أمام محلات الحلويات اللبنانية والسورية القريبة من المسجد أو التابعة له، ويغلب الطابع الشامي على موائد الإفطار في شهر رمضان بالنظر إلى غلبة أعداد المهاجرين السوريين واللبنانيين بين الأوساطِ الإسلامية في البرازيل، ويتناول المسلمون طعام الإفطار، وهناك ميزة في مسألة الإفطار في البرازيل؛ حيث تعتبر برامج الإفطار الجماعية والأسرية من أهم ما يُميز السلوك العام للأسر المسلمة البرازيلية في هذا الشهر الكريم، فبرامج الإفطار الجماعي إما أن تكون برعاية مؤسسة خيرية تحرص على تقديم الطعام المجاني للفقراء أو الذين يسكنون في مناطق بعيدة عن المساجد ويتعذر عليهم الإفطار في بيوتهم مع أسرهم، وإما من محسنين أغنياء.
وتهتم المؤسسات الإسلامية العربية وبخاصة الخليجية في إقامةِ مثل هذه الولائم أيضًا يهتم القائمون على المراكز الإسلامية البرازيلية بإقامتها من أجل التعريف بالإسلام، ولهذه الوجبات أثرٌ سياسي إيجابي على المسلمين في البرازيل؛ حيث تُظهرهم كتلةً واحدةً مما يدفع الساسة لخطب ودهم لثقلهم السياسي.
وبعد الإفطار يتوجه الرجال والصبية وبعض النساء لأداء صلاة المغرب، وقد يتناول البعض الفطور في المسجد، ويهتم المسلمون البرازيليون بأداءِ صلاة التراويح؛ باعتبارها المنسك البارز في شهر رمضان، ومن أبرز المساجد في البرازيل مسجد عمر بن الخطاب في مدينة فوز دي كواسو ومسجد أبي بكر الصديق بضاحية ساوبرناندرد دي كاميو، وهي الضاحية التي يعتبرها البعض عاصمةَ المسلمين في البرازيل؛ حيث تنتشر المراكز الإسلامية مثل مكتب "هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية" و"مكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي".
وفي شهر رمضان يحرص المسلمون على قراءة القرآن الكريم وتعليمه لأبنائهم؛ حرصًا على هويتهم الإسلامية في تلك البلاد غير الإسلامية، كما تنظَّم المسابقات الثقافية ومسابقات حفظ القرآن الكريم طوال الشهر.
وهناك بعض المشكلات التي قد تعوق أداء المسلمين لشعائرهم، وفي مقدمتها عدم رفع الآذان من المساجد، كما أن هناك مشكلة اللغة والتي تعوق تعلم المسلمين الجدد- سواء من المواليد الجدد للمسلمين أو للوافدين- حديثًا عن الإسلام؛ حيث لا يجيد هؤلاء اللغة العربية، وهو ما يحاول المسلمون هناك التغلب عليه بتحضير الأشرطة الدينية باللغتين العربية والبرتغالية التي تعتبر اللغة الرسمية في البرازيل، كما يهتمون بمشاهدة البرامج الدينية من على القنوات العربية التي يصل بثُّها إلى البرازيل، كما أن ضعف الانتماء الديني لدى بعض المسلمين البرازيليين يعتبر مشكلةً؛ حيث يتم استقطابهم لبعض الجماعات السياسية التي تكون في الغالب مضادةً للتوجهات الإسلامية.


ولا يتعدى نسبتهم 1% من سكان البرازيل، إلا أن مظاهر الاحتفال برمضان عندهم مميزة تلفت الانتباه، خاصة في ظل تزامنه مع مونديال كرة القدم، وانطلاق حملة "اعرف الإسلام" التي دشنها المجلس الأعلى للأئمة والشؤون الإسلامية في البرازيل.
وقال خالد رزق تقي الدين، رئيس المجلس (غير الحكومي)،  ، إن "رمضان في البرازيل سيكون له مذاق مختلف هذا العام، حيث مونديال كرة القدم، والكثير من الشعب البرازيلي والصحافة والإعلام يريدون معرفة المزيد عن التعاليم الإسلامية وكيفية الصيام".
وأضاف أن مما ساعد على ذلك "تأهل منتخبي الجزائر ونيجيريا (المسلمين) لدور ثمن النهائي بكأس العالم، ووجود الكثير من اللاعبين المسلمين في الفرق المختلفة".
وتابع: "وصل الفقيه العراقي عبد الرحمن البغدادي لمدينة ريو دي جانيرو (جنوب شرق) عام 1866، وبعدها بعام أقام أول صلاة جماعية للتراويح في البرازيل عام 1867، في مدينة سلفادور بولاية باهيا (شرق) حينما زارها".
وعن انتشار الإسلام في البرازيل، قال: "بعد وصول الهجرات المتتالية من العالم الإسلامي، بدأ المسلمون يشيدون المساجد ويستقبلون الأئمة والمشايخ، حيث حمل كل مهاجر بين جنباته ذكريات وصور كثيرة عن رمضان في بلاده الأصلية".
وتابع: "رمضان بذلك في البرازيل له عبق خاص ورائحة مميزة تتمثل في كثير من المظاهر الإسلامية المختلفة، حيث تحرص الكثير من المؤسسات والمساجد على إقامة موائد الإفطار يوميا، ويكتفي بعضها بإقامتها مرة واحدة نهاية كل أسبوع".
ومضى بالقول إن "هذه الإفطارات تجمع كل أبناء الجالية المسلمة غنيهم وفقيرهم، وهي فرصة لتبرع الميسورين من مالهم الخاص لإدخال الفرحة على نفوس الفقراء من المسلمين".
وأشار إلى أن "وزارة الأوقاف المصرية والأزهر يتعهدان سنويا بإرسال عدد كبير من قراء القرآن الكريم لتغطية هذه المساجد وتزيينها بالأصوات الندية وإقامة صلاة قيام الليل بها".
وعن طقوس ليلة القدر، وهي ليلة نزول القرآن في العشر الأواخر من رمضان، قال تقي الدين: "تتنافس المساجد في البرازيل لإحياء ليلة القدر حيث تكتظ المساجد بالمصلين، وتحرص العائلات على قضاء الليلة بأكملها داخل المسجد ويصطحبون النساء والأطفال للمشاركة في هذا الأجر".
ولفت إلى "بعض الأنشطة الاجتماعية لخدمة الفقراء والمحتاجين من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، إضافة للأنشطة التعريفية بالإسلام من خلال توزيع الكتب وحملات التعريف بالدين الإسلامي".
وتابع: "تتلون موائد إفطار الصائمين بالأطباق المختلفة والتي تجمع بين الشرقي والغربي دليلا على تمازج الثقافات في البرازيل، فتوجد الأكلات الشامية (نسبة إلى بلاد الشام، سوريا وما حولها)، والأكلات البرازيلية حاضرة أيضا، كما يعد طبق الفول المصري مكونا أساسيا في وجبة السحور (الأكل قبل بدء الصيام)".
ويبلغ عدد المسلمين في البرازيل مليونا ونصف المليون نسمة، وهم خليط من أعراق مختلفة أفارقة وعرب وغيرهم، ويمثلون نسبة تقل عن 1% من مجموع عدد سكان دولة البرازيل البالغ قرابة 200 مليون نسمة، ويتوزعون في كل الولايات البرازيلية، ويمثلهم 80 مؤسسة ومركزا إسلاميا.
وتضم البرازيل حوالى 100 مسجد ومصلى موزعة على كل ولايات البرازيل، إضافة لحوالي 60 داعية حسب إحصاء المجلس الأعلى للأئمة والشؤون الإسلامية في البرازيل، غير الحكومي، والذي تأسس عام 2005 بهدف لم شمل الجالية المسلمة.


إرسال تعليق

جميع الردود تعبر عن رأي كاتبيها فقط ، وحرية النقد متاحة لجميع الأعضاء والقراء والقارئات الكرام بشرط ان لايكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من العبارات البذيئة وتذكر قول الله تعالى " مايلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد" صدق الله العظيم


 
الى الاعلى