ابتسامة
بدأت معالمها بالزوال تدريجيا بعدما خرج من غرفته ليشاهد صاحبة المنزل
تُلمح إلى اقتراب نهاية الشهر و المطالبة بدفع الإيجار. خرج من المنزل ليرى
سيارته بحالة مأساوية و يتذكر أن عليه اصطحابها إلى مغسلة السيارات ثم إلى
محطة البنزين، و أخيرا إلى الورشة لتغيير احدى المصابيح الأمامية و
الكفرات الخلفية. ركب سيارته متجها نحو البنك لسحب مبلغ الإيجار و مبالغ
أخرى استلفها من صديقه ليُدرك حينها أن شركة التأمين قامت بسحب قِسطها
الشهري المؤلم قبل لحظات. يعود إلى سيارته بألم داخلي و غصة في القلب ليجد
هاتفه و قد امتلأ بالرسائل النصية التي تُذكره بموعد سداد فاتورة الجوال و
المبلغ الشهري الخاص بالنادي الرياضي و مستحقات أخرى لا للحصر. يُسدد مبلغ
صديقه، و يتذكر أن فصل الخريف الدراسي قادم و أنه بحاجة لشراء بعض الملابس و
المستلزمات و الكثير الكثير من الكتب الدراسية و ملحقاتها. يقوم بعمل
حسابات سريعة ليكتشف أن هناك بصيص من أمل للتسوق في سوق البضائع المخفضة
لشراء بعض ما يحتاج.
يعود
إلى منزله و معه تلك الوجبة الفاخرة التي أوشك على نسيان طعمها فيقوم بفتح
بريده الإلكتروني ليجد كمية رسائل و إعلانات تشده بكل الطرق لفتحها.
الرسالة الأولى من أمازون. كوم، و التي تُذكره بوجود عروض و تخفيضات على
منتجات سبق له تصفحها. رسالة أخرى من نفس المصدر تقول له:
"We’ve missed you a lot. Long time no see you”
و
هو بطبعه ضعيف جدا أمام هذي الكلمات، و كأنهم على علم بموعد نزول المخصصات
الشهرية! يجمع كل رجولته و يتوجه نحو أمازون ليضيف ما يحلو له إلى سلة
التسوق بعد التجول يمنة و يسرى، و المُحصلة شراء مستلزمات لا يعلم حقا إن
كان بحاجة إليها في المستقبل القريب. يتوجه مباشرة نحو حسابه البنكي ليُدرك
نوعا ما بضرورة تأجيل شراء بعض المستلزمات و الإكتفاء بما يملك داخل
خزينته المنتفخة. تنبيه أخر و عدة تنبيهات متتالية على بريده الإلكتروني
تحمل ذات المحتوى بوجود تخفيضات ساحقة لدى بعض الماركات التي أدمن الشراء
منها، و كعادته ضعيف جدا أمام هذا الإغراء فيتوجه اصبعه و بشكل تلقائي لفتح
تلك الرسائل، و يبدأ معها سيلان لعابه و شراء ما يغريه من ملابس و أحذية و
مُكملات.
مع
نهاية الأسبوع، أدرك أن ما تبقى لديه يكفي بالكاد لشراء بعض المستلزمات
الغذائية، لشراء المنتجات الخاصة بعضلاته، و لإعطاء سيارته حقها من بنزين و
صيانة. و ما تبقى إن تبقى سيشتري به بعض الكتب المستعملة. يفكر في
الاقتراض من أحد اصدقائه إلا أنه يدرك أن الجميع في أزمة، يفكر في الاتصال
بأهله لإيداع بعض المساعدات المالية إلا أنه يعلم بمحدودية و تواضع دخل
عائلته. و انتهى حُلم هذا الشهر سريعا كالذي سبقه و يبقى هكذا مستسلما
تماما لتسديد المستلزمات الشهرية من جهة، و للخضوع أمام العروض الترويجية
التي احتلت بريده الإلكتروني من جهة أخرى. و حتى صدور مكافئة أخرى... سيبقى
جليس غرفته بين جهازه و كتبه يخطط ما سيفعله بمكافئة الشهر القادم. يعد
الأيام و الليالي حتى ان اكتمل البدر في ليلة منتصف الشهر أدرك أنها قادمة و
بدأ معها التخطيط، و بدأ غيره بإرسال تنبيهات بقرب موعد التسديد!
هذا
ما يحدث مع أحد طلاب الابتعاث. الجانب المشرق في الموضوع هو أن ما يحدث له
مع المكافئة مشابه لما يحدث مع الموظف العادي مع اختلاف المسؤوليات.
كِلاهما مضطر للتسديد، كِلاهما مضطر للخضوع أمام قوة و رغبات لا مهزومة، و
كِلاهما يُعلن إفلاسه التام قبل نهاية الشهر. مارس جيدا أيها المبتعث،
فالابتعاث أكثر من مجرد لغة و شهادة. غدا ستعود لتشغل منصبا ما، و ستكون
حينها ذو خبرة كافية لتتعايش جيدا مع وضعك المأساوي و أزمة الراتب اللا
منتهية. تعود جيدا و تأقلم كثيرا و كفاك استخدام هاشتاق
#الراتب_ما_يكفي_الحاجة!
إرسال تعليق
جميع الردود تعبر عن رأي كاتبيها فقط ، وحرية النقد متاحة لجميع الأعضاء والقراء والقارئات الكرام بشرط ان لايكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من العبارات البذيئة وتذكر قول الله تعالى " مايلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد" صدق الله العظيم