زوايا - كمال محمود : 
صدمت الجزائر كل من توقع انهزامها بسهولة أمام المانيا، عذبت الماكينات وأجبرتها على التعطل دقائق طويلة من اللقاء، أرهقت نجوماً معروف عنهم عدم التعب مثل شفاينستايجر، وحولت نوير لمدافع كي يعالج عيوب خط دفاعه التي انكشفت بفعل لمسات الجزائريين الذكية.
 
صحيح أن الخضر خسروا، لكنهم ألهموا أجيالاً قادمة في العالم العربي بأن كرة القدم لا تعترف بالأسماء ولا بالتاريخ ولا بالاهتمام الإعلامي، فكرروا ما فعلوه في عام 1982 عندما ألهموا الجميع بفوزهم على المانيا، لتكون بعدها عودة عربية قوية للمونديال، وهم الآن جاؤوا بهذا الأداء بعد نتائج مهزوزة استمرت في النسخ الثلاث السابقة من كأس العالم.
 
كيف عذب الجزائريون الألمان؟
قدم الجزائريون دروساً تكتيكية غاية في الروعة، فركزوا بشكل واضح على نقاط ضعف خصمهم، فكلما امتلكوا الكرة ضربوا بالسرعة عمق دفاعهم البطيء، مما سبب للألمان إرباكاً وخوفاً واضحاً، خوف جعل استحواذهم على الكرة سلبياً، فقد كانوا يخشون قطع الكرات فيتم ضربهم بمرتدة.
 
الجزائريون لجأوا أيضاً إلى شكل ذكي في خط الدفاع صمد بقوة، وإن ظهرت فيه بعض الفجوات نهاية الشوط الثاني من الوقت الأصلي بفعل الإرهاق، فكان التحول إلى 6-3-1 واضحاً عند خسارة الكرة، مع وضع الضغط على ثلاثي الوسط الألماني، والاستفادة الواضحة من عدم صعود أظهرة خصمهم لأنهم بالأصل قلوب دفاع، فكان اللعب على الأطراف واحد لواحد لصالح الجزائريين، وفي العمق كان الضغط المصحوب بتغطية بفعل كثافة اللاعبين، ليتم تعطيل كل أفكار المانيا.
 
وعمد الجزائريون بوضوح إلى اللعب بقوة على اللاعب الألماني المستحوذ على الكرة، فلم يسمحوا لكروس وشفاينستايجر بإخراج الكرة مجاناً، لأن كل لمسة كان فيها نوع من الاحتكاك المشروع، المصحوب دوماً بتغطية من زميل أخر، فكان لجوء الماكينات إلى التمريرات الآمنة ولم يحبذوا المخاطرة.
 
الجزائريون استحقوا الفوز بالشوط الأول سواء من ناحية التفوق التكتيكي أو حتى من حيث الحصول على الفرص  لكن تسرعهم أمام المرمى وفي اللمسة قبل الأخيرة أيضاً تم دفع ثمنه، وهو أمر طبيعي لمنتخب يشارك معظم لاعبيه لأول مرة في كأس العالم، فهذا منتخب يمكن البناء عليه كثيراً، سواء لتقديم أمم أفريقيا مقبلة ممتازة، وبعدها الذهاب إلى روسيا لتكرار قصة البرازيل الجميلة، مع ضرورة الاعتراف بتفوق المانيا في الشوط الثاني، ونجاحهم بخلق عدد من الفرص كان كافياً للفوز بسبب الانهيار البدني في الدقائق الأخيرة.
 
ورغم خسارة الجزائر بالنتيجة، فإن خسائر عديدة تم الحاقها بالمانيا، فإصابة مصطفى وإن لم يقدم أي شيء إيجابي في مشاركاته خلال هذا المونديال تعد نوعاً من تفريغ الدكة، بل إن حالة شفاينستايجر عند خروجه لا تطمئن لوجوده في المباراة المقبلة، إضافة إلى هز ثقة الماكينات بأنفسها، وبطاقة صفراء ستقيد فيليب لام في المباريات المقبلة.
 
دروس تعلمها الألمان في المباريات المقبلة:
أدرك يواكيم لوف مدرب منتخب المانيا اليوم بأن البداية البطيئة قد يكون لها عواقب وإن لم يكن معها أهداف، فاهتزت ثقة لاعبيه، وارتفعت ثقة الجزائريين بوضوح، وهي بداية غيرت شكل المباراة، وأعطت الخضر إضافة مهمة للدقائق المتبقية من وقت اللقاء.
 
وتعلم المدرب الألماني أن لعبه بقلوب دفاع كأظهرة ستجعله يعاني أمام كل فريق يتمركز دفاعياً بشكل صحيح ولا يغامر بتلقي المرتدات، فلولا إصابة مصطفى وعودة فيليب لام إلى مركز الظهير الأيمن ولعب سامي خضيرة كخط وسط، لما خلقت المانيا عدد الفرص الكبير الذي جاء في الشوط الثاني، التي جاءت كلها من الجانب الأيمن السليم منطقياً متكوناً من ظهير (فيليب لام) وجناح (أندري شورله)، وليس عليه أن يرى بأن الهدف جاء من الجهة اليسرى لأنه جاء في لحظة عدم تنظيم جزائرية واندفاع غير محسوب.
 
وأيقن الألمان تكلفة إهدار الفرص، فاليوم شاهدوا هذا الدرس من جهتين؛ كيف أهدرت الجزائر فرصها وخرجت في النهاية من جهة، وكيف أهدروا هم الفرص في الشوط الثاني فاضطروا للعب وقت إضافي زاد من إرهاقهم من جهة أخرى.
 
مبولحي ونوير:
ولا يمكن أن يكتمل تحليل هذه المباراة من دون الالتفات إلى الرائع ريس مبولحي، حارس رائع زاد من إثارة المباراة، تماماً كما فعل نوير الذي غطى عيوب خط دفاعه طوال دقائق المباراة.
 
مونديال بات يتميز بكثرة الحراس المتألقين، فعند ذكر كل من أوتشوا حارس المكسيك، ونافاس حارس كوستاريكا، ونوير ومبولحي وكورتوا وبرافو وسيزار حراس كل من المانيا والجزائر وبلجيكا وتشيلي والبرازيل على الترتيب، ليكون وصف هذا المونديال بمونديال حراس المرمى المتألقين، حراس صنعوا الفارق وأضافوا لإثارة البطولة الكثير.
 
وفرنسا تقلب الطاولة :  
 حقق منتخب فرنسا فوزاً مهماً ومصيرياً على المنتخب النيجيري بهدفين نظيفين في مباريات إطار دور الـ16 من كأس العالم المقامة حالياً في البرازيل على ملعب استاد ماني جارينشا الوطني، لتتأهل كتيبة الديوك إلى دور الـ8.

أحرز هدفي الديوك بول بوجبا في الدقيقة 79 وهدف عكسي لجوزيف يوبو في الدقيقة 90، ليودع منتخب النسور المونديال بصورة مشرفة بعد أداء قوي خلال المسابقة.

خاض المنتخب الفرنسي اللقاء بقوة كبيرة على أمل إحراز هدف مبكر يريحه ، حيث لعب بطريقة 4-3-3، معتمداً على كريم بنزيما وأوليفير جيرو وماثيو فالبوينا، إلا أنه تفاجأ بمستوى قوي وصلب من جانب النسور النيجيرية التي لعبت بطريقة 4-2-3-1

وشهدت الدقائق الأولى توازناً في وسط الملعب، لكن بدت الرغبة النيجيرية الكبيرة في التقدم عن طريق تحركات فيكتور موسيس، بيتر أوديموينجي، إيمانويل إيمينيكي وأحمد موسى لكن في ظل يقطة كبيرة وهدوء من جانب الديوك.

وكاد المنتخب الفرنسي أن يحرز الهدف الأول في الدقيقة 22، حيث انطلق بوجبا بهجمة سريعة ويمرر نحو فالبوينا الذي عكسها عرضية قابلها بوجبا مجدداً لكن الحارس إينياما تألق في إبعادها للركنية.

استمر صراع الفريقين في وسط الملعب، والانقضاض السريع نحو المرمى لكن عن طريق تسديدات غير مجدية، واستحوذ المنتخب النيجيري على الكرة بنسبة 53% حتى انتهى الشوط الأول بالتعادل السلبي بدون أهداف.

لم يتغير الحال كثيراً في الشوط الثاني، حيث حاول الفريقيان الاستحواذ على منطقة الملعب لتسهيل العملية الهجومية، وشارك روبين جابرييل مكان أوجنيي أونازي في نيجيريا للإصابة، بينما جدد المنتخب الفرنسي نشاط هجومه بإشراك جريزمان مكان جيرو.

وكادت محاولات المنتخب النيجيري أن تسفر عن هدف بعدما اخترق بيتر أوديموينجي عرضياً ويسدد كرة قوية يردها لوريس ثم يبعدها الدفاع.

بدأ المنتخب الفرنسي في تنظيم خطوطه، وبدأت حفلة الفرص الضائعة من نجومه بفضل تألق حارس النسور فينسنت إينياما، واخترق كريم بنزيما وتبادل الكرة  بمهارة مع جريزمان قبل أن يظهر إينياما في صورة ويعرقل دخول الكرة في المرمى بالدقيقة 70.

وتواصل الخطر الفرنسي حيث سدد يوهان كاباي صاروخية في الدقيقة 77 ترتد من العارضة النيجيرية، قبل أن يسدد بنزيما رأسية قوية أبعدها الحارس للركنية في الدقيقة 79 وسط تراجع كبير في الصفوف النيجيرية.

وأخيراً  أثمرت هجمات الديوك عن هدف التقدم عن طريق بول بوجبا  في الدقيقة 79، عن طريق ركنية وصلت في النهاية لرأس نجم يوفنتوس الذي لعبها نحو الشباك، معلناً عن تغيير النتيجة 1-0 لصالح المنتخب الفرنسي.

حاول المنتخب النيجيري إنقاذ ما يمكن إنقاذه فكثف خط الوسط والهجوم على أمل إحراز التعادل، وأشرك أوتشي نووفور مكان فيكتور موزيس، لكن بدون جدوى في ظل التركيز الكبير لمنتخب فرنسا.

وأطلق المنتخب الفرنسي الضربة القاضية، حيث أحرز الهدف الثاني والحاسم في الدقيقة الأخيرة من المباراة مستغلاً عرضية فالبوينا، وخطأ المدافع النيجيري يوبو، لتتحول الكرة إلى مرمى النسور وتنتهي المواجهة بتفوق فرنسا بهدفين نظيفين .